صلاة الجنازة على خامنئي في مشهد تختتم ستة أيام من التشييع وسط رايات ثأر وتصعيد عسكري.
أبوظبي، الإمارات العربية المتحدة 10 يوليو 2026 ALN: أقيمت مساء الخميس صلاة الجنازة على جثمان المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي في مرقد الإمام الرضا بمدينة مشهد، في ختام يوم طويل من التشييع تداخلت فيه الرموز الدينية مع رسائل سياسية وأمنية، على وقع تجدد التوتر العسكري بين طهران وواشنطن. هذه المراسم لم تكن مجرد وداع لشخصية سياسية بارزة، بل كانت تعبيرًا عن مشاعر متداخلة من الحزن والفخر والتحدي في وجه الضغوط الخارجية.
وقالت وسائل إعلام إيرانية إن الصلاة أقيمت عند الساعة 21:53 بالتوقيت المحلي، بإمامة نجله الأكبر آية الله السيد مصطفى خامنئي. وبعد الصلاة، حمل مشيعون الجثمان باتجاه رواق دار الذكر داخل المرقد، حيث أعدت مراسم الدفن. هذه اللحظة كانت مؤثرة للغاية، حيث اجتمع الآلاف من المواطنين حول المرقد، مما يعكس مكانة خامنئي في قلوب الإيرانيين.
وكانت جثامين خامنئي وأفراد من عائلته قد وصلت إلى المرقد في وقت سابق من اليوم، بحسب وكالة إسنا الإيرانية، بعد أن أقيمت صلاتا المغرب والعشاء في إحدى ساحاته الكبرى. وقد تم تنظيم هذا التشييع بعناية كبيرة، حيث تم تجهيز المكان لاستيعاب الأعداد الكبيرة من الزوار والمشيعين.
وقالت الوكالة إن كثافة الزوار والمشيعين دفعت إلى إقامة صلاة الجنازة في ساحات المرقد وعدد من الشوارع المحيطة به. كانت هذه الاستجابة الجماهيرية تعبيرًا عن الوحدة الوطنية في وقت عصيب، حيث تزامنت المراسم مع تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
ووصل نعش خامنئي إلى مشهد صباح الخميس على متن طائرة مدنية رافقتها، بحسب وكالة فرانس برس، طائرة مقاتلة واحدة على الأقل. ومع ازدياد الازدحام على امتداد شارع الإمام الرضا، قال التلفزيون الرسمي الإيراني إن السلطات قررت نقل الجثمان في المرحلة الأخيرة من الطريق إلى المرقد عبر مروحية، بعدما تعذر استكمال المسار البري بسبب كثافة الحشود. هذا القرار يعكس أهمية الحدث وحرص السلطات على تأمين سلامة المشيعين.
ومنذ ساعات الصباح، توافد مشيعون بأعداد كبيرة إلى الشوارع المؤدية إلى مرقد الإمام الرضا، في مسقط رأس خامنئي، وسط حرارة اقتربت من 40 درجة مئوية. ورفع عدد من المشاركين الأعلام الإيرانية والرايات الحمراء التي ترتبط في الرمزية الشيعية بطلب الثأر، فيما رددت حشود هتافات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل وأي تسوية مع الغرب. هذه الشعارات تعكس مشاعر الغضب والرفض تجاه الضغوط الخارجية، وتظهر كيف أن المراسم كانت بمثابة منصة للتعبير عن القضايا السياسية الراهنة.
وعمل متطوعون وشاحنات إطفاء على رش المياه على المشاركين للتخفيف من وطأة الحر، بينما شهدت المدينة حضوراً أمنياً كثيفاً، مع انتشار عناصر أمن على أسطح مبان مطلة على مسار التشييع، وتحليق مقاتلة إيرانية في أجواء مشهد، بحسب مشاهد بثتها وسائل إعلام إيرانية. هذا الانتشار الأمني كان ضروريًا للحفاظ على النظام والأمان خلال هذا الحدث الكبير.
وحضر المراسم عدد من كبار المسؤولين والشخصيات السياسية والدينية، بينهم رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، ورئيس السلطة القضائية غلام حسين محسني إيجئي، وحسن خميني، حفيد مؤسس الجمهورية الإسلامية آية الله روح الله الخميني. وجود هؤلاء الشخصيات يعكس مدى أهمية الحدث في السياق السياسي الإيراني.
وجرت مراسم مشهد في ظل تصعيد عسكري متجدد بين الولايات المتحدة وإيران، رغم مذكرة التفاهم التي أعلنت في منتصف يونيو/حزيران لوقف إطلاق النار. هذا التصعيد العسكري قد يكون له تأثيرات كبيرة على الوضع الداخلي في إيران، حيث قد تؤدي التوترات إلى زيادة الاستقطاب السياسي والاجتماعي.
وانعكس هذا التصعيد على حركة النقل، إذ قالت شركة السكك الحديدية الإيرانية إن خط القطارات بين طهران ومشهد علق بسبب التطورات الأمنية، وإن ترتيبات نقل بري وضعت للركاب العالقين. هذه الاضطرابات في النقل تعكس مدى تأثير الأحداث السياسية على الحياة اليومية للمواطنين.
وبوصول النعش إلى مشهد، انتهى مسار تشييع امتد ستة أيام، بدأ من مصلى طهران الكبير، حيث سجيت نعوش خامنئي وأفراد من عائلته، قبل أن ينتقل الموكب إلى وسط العاصمة، ثم إلى قم، المركز الديني الأبرز في إيران. هذا المسار الطويل كان يحمل دلالات رمزية قوية، حيث عبرت الجثامين عبر مدن تحمل أهمية دينية وسياسية في تاريخ إيران.
وعبرت المراسم لاحقاً إلى العراق، حيث شملت النجف وكربلاء، في محطتين رمزيتين عند مرقدي الإمام علي والإمام الحسين، قبل أن تعود إلى إيران في محطتها الأخيرة بمشهد. هذا التوجه إلى العراق يعكس الروابط التاريخية والدينية بين إيران والعراق، ويظهر كيف أن الأحداث في إيران تتجاوز حدودها الوطنية.
وتحمل مشهد دلالة خاصة في هذا الختام. فهي مسقط رأس خامنئي، كما تضم مرقد الإمام الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة، ما يجعلها إحدى أهم الوجهات الدينية في إيران. وتقع المدينة على بعد نحو 800 كيلومتر شرق طهران، وتعد من أبرز المراكز الحضرية والاقتصادية في شرق البلاد. هذه الأهمية الجغرافية والدينية تعزز من مكانة المدينة كرمز للهوية الإيرانية.
وقتل خامنئي في 28 فبراير/شباط في ضربات أمريكية إسرائيلية على مقره، بعد أن قاد الجمهورية الإسلامية منذ عام 1989. وكان مقرراً أن تجرى مراسم تشييعه في مارس/آذار، ثم أرجئت بسبب الحرب والاعتبارات الأمنية. التأخير في إقامة المراسم أثار تساؤلات حول الاستعدادات الأمنية ومدى تأثير الوضع العسكري على تنظيم مثل هذه الأحداث.
وأثار تأخر التشييع والدفن تساؤلات في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي بشأن طريقة حفظ الجثامين ومدى توافق ذلك مع الأحكام الإسلامية التي تحث على التعجيل بالدفن. ونقل موقع بي بي سي نيوز فارسي عن إيمان عطار زاده، المتحدث باسم مقر تنظيم المراسم، قوله إن الجثامين حفظت "بأقصى درجات الاحترام والعناية"، ووفق المعايير الدينية والقانونية، مؤكداً أنها لم تدفن ولم تحفظ على سبيل الوديعة في مكان آخر. هذه التصريحات تهدف إلى طمأنة الجمهور حول الاحترام المتبع في التعامل مع جثامين الشخصيات البارزة.
وفي خلفية المشهد، بقي مجتبى خامنئي، نجل المرشد الراحل وخليفته، غائباً عن الظهور العلني منذ تعيينه في مارس/آذار. ولم يصدر بيان باسمه منذ بدء المراسم، مع أن رايات تحمل صورته رفعت في مشهد. كان مجتبى قد أصيب، بحسب تقارير سابقة، في الضربات التي قتلت والده. هذه الغياب قد يثير تساؤلات حول مستقبله كزعيم محتمل وكيف ستؤثر هذه الأحداث على دوره في القيادة.
وعلى مدى أيام، طغت صور الحشود التي ملأت شوارع طهران وقم ومشهد، ولاحقاً النجف وكربلاء، على وسائل الإعلام الإيرانية. ووصف التلفزيون الرسمي المراسم بأنها "تاريخية"، واحتفت صحف بما سمته "وداع القرن"، بينما قدم مسؤولون حجم المشاركة بوصفه دليلاً على تماسك الجمهورية الإسلامية بعد اغتيال أعلى سلطة فيها. هذه التغطية الإعلامية تعكس الجهود الحكومية لتعزيز الشعور بالوحدة الوطنية.
وجاءت المراسم، بما رافقها من شعارات ورموز وحضور أجنبي وتغطية إعلامية واسعة، ضمن عملية سياسية ورمزية أوسع. فقد سعت السلطات إلى تقديم المشاركة الشعبية على أنها تجديد للولاء للجمهورية الإسلامية، ورسالة بأن الدولة لا تزال قادرة على التنظيم والحشد والعمل، رغم الحرب والعقوبات واغتيال المرشد الأعلى، بحسب تحليل سرباز نظري، من وحدة الرصد الإعلامي في بي بي سي. هذه الرسالة قد تكون مهمة لتأكيد استقرار النظام في ظل الظروف الصعبة.
وانتقلت هذه المعركة إلى أرقام الحضور. فقد قال مؤيدون للمؤسسة الحاكمة إن عدد المشاركين بلغ 24 مليوناً على مدى أيام وفي مواكب عدة. وشكك منتقدون في هذه الأرقام، مستندين إلى لقطات جوية وصور أقمار صناعية للقول إن الحضور كان أقل بكثير. هذه الاختلافات في تقدير الأعداد تعكس الانقسامات السياسية في البلاد وكيف أن كل جانب يسعى لتقديم روايته الخاصة.
وقدرت منصة "فاكت نامه" المتخصصة في التحقق، ومقرها خارج إيران، أن ذروة الحضور في مصلى طهران الكبير اقتربت من 300 ألف، وأن إجمالي المشاركين لم يتجاوز على الأرجح مليوناً. هذه الأرقام قد تكون أكثر دقة، وتظهر كيف أن المراسم كانت حدثًا كبيرًا ولكن ليس بالضرورة على النطاق الذي تم الترويج له.
To learn more about the latest developments in Political Controversies, stay updated with our exclusive reports and analyses on AiLensNews.