هل تستعيد وثيقة سنار السلم الاجتماعي في السودان؟

ALN NEWS DESK
ALN NEWS DESK
Updated : Jul 12, 2026, 08:40 AM IST
6 min read
  • linkedin
  • twitter
  • facebook
  • instagram
  • whatsapp

استضافت الخرطوم الأسبوع الماضي مؤتمرا للصلح وقعت خلاله مكونات مجتمع ولاية سنار ميثاقا للتعايش السلمي، واعتبر أطراف الصلح الوثيقة نقطة تحول نحو رتق النسيج الاجتماعي، بمردود إيجابي على التعايش.

الخرطوم- بعد نحو 20 شهرا من استعادة الجيش السوداني ولايات سنار والجزيرة والخرطوم في وسط البلاد وتراجع قوات الدعم السريع غرباً، تم تدشين مؤتمرات للصلح والسلم الاجتماعي لمعالجة التعقيدات التي خلفتها الحرب وباتت تهدد التعايش السلمي. هذه المبادرات تأتي في وقت حرج حيث يعاني السودان من آثار الحرب الأهلية والنزاعات القبلية التي أثرت بشكل كبير على النسيج الاجتماعي للبلاد.

الحرب التي بدأت في منتصف أبريل/نيسان 2023 أدت إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية في البلاد. ومع تزايد الانتهاكات وجرائم الحرب، انقسم المجتمع السوداني إلى فئات متنازعة، مما أدى إلى تفكيك العلاقات الاجتماعية التي كانت قائمة على التسامح والتعايش السلمي. ومع ذلك، فإن الجهود المبذولة من قبل القيادات القبلية والمجتمعية في ولاية سنار تشير إلى أن هناك أملًا في إعادة بناء هذا النسيج الاجتماعي.

بعد جهود رسمية وشعبية، توصلت القيادات القبلية والمجتمعية في ولاية سنار إلى وثيقة لاستعادة وتعزيز التعايش السلمي والتراضي الاجتماعي بين مكونات الولاية، وإصلاح البيئة المجتمعية وتقويم المعاملات الاجتماعية السيئة التي نشأت بسبب الحرب، وترميم العلاقات الاجتماعية وإحياء القبول بالآخر وروح التسامح. تمثل هذه الوثيقة خطوة مهمة نحو استعادة الثقة بين مكونات المجتمع السوداني.

استضافت الخرطوم الأسبوع الماضي مؤتمرا للصلح وقعت خلاله مكونات مجتمع ولاية سنار، ميثاقا للتعايش السلمي، نظمه المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي تحت رعاية رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان وحضور رئيس مجلس الوزراء كامل إدريس. هذا المؤتمر يمثل نقطة تحول في جهود السلام، حيث اجتمع فيه ممثلو مختلف الفئات الاجتماعية والسياسية في الولاية.

ضم ممثلو أطراف الصلح، الناظر إبراهيم الفودا، والناظر صلاح محمد المنصور العجب، والعمدة محمد صالح، وموسى منزول إبراهيم، الذين اعتبروا الوثيقة نقطة تحول نحو رتق النسيج الاجتماعي، وسيكون لها مردود إيجابي على التعايش بين جميع مكونات الولاية. وقد تمثل هذه الوثيقة بداية جديدة لمجتمع سنار، الذي يعاني من آثار الحرب.

الاستشفاء الوطني

أكد رئيس الوزراء دعم حكومته لوثيقة الصلح والتعايش السلمي لمكونات ولاية سنار، بالتنمية الشاملة المستدامة والخدمات، ووصف الوثيقة بـ "التاريخية"، معتبرا أنها رسالة لأهل السودان بأن الدولة ماضية في مسيرة الاستشفاء الوطني. هذا الدعم الحكومي يعكس التزام الدولة بمسار السلام وإعادة البناء، وهو أمر بالغ الأهمية في ظل الظروف الحالية.

من جانبه، قال رئيس المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي، النور الشيخ، إن الحرب كانت تستهدف النسيج الاجتماعي وأن التوصل إلى الوثيقة أتى بعد جهود مضنية قادتها اللجنة المكلفة بأعمال الصلح، حتى تم التوصل إلى توافق. وعده خطوة مهمة في تحقيق التعافي المجتمعي بين مكونات الشعب التي تضررت من الحرب وممارسات "مليشيا الدعم السريع". هذا النوع من التصريحات يعكس الأهمية الكبيرة للتعاون بين مختلف الأطراف في تحقيق السلام.

وفي حديث للجزيرة نت شدد الشيخ على ضرورة نبذ القبلية والعنصرية ونشر ثقافة السلام والمصالحات بين المجتمعات المحلية، ودعا الفقهاء وعلماء الدين إلى أن يكونوا قدوة في نشر قيم التسامح بين كافة مكونات المجتمع. هذه الدعوة تعكس الحاجة إلى تعزيز القيم الإنسانية الأساسية في مواجهة الانقسامات التي نشأت نتيجة الصراع.

كما قال رئيس لجنة المصالحات بولاية سنار إبراهيم عوض إنه على رغم المرارات التي حدثت في الحرب فقد عاد الناس إلى الصلح والتعايش السلمي لمكونات مجتمع الولاية وهو "بداية لسودان جديد معافى" ورأى أن استدامة التعايش والاستقرار يتطلب التنمية وتحسين الخدمات. هذا التصريح يشير إلى الأمل في مستقبل أفضل، لكن يتطلب الأمر جهودًا مستمرة لتحقيق ذلك.

ندوب الحرب

وأحدثت الحرب الجارية في البلاد منذ منتصف أبريل/نيسان 2023 ندوبا في جسد المجتمع السوداني المتعدد الأعراق والثقافات، بعد أن كان يتسم بالتسامح والتعايش السلمي. هذه الندوب ليست فقط مادية، بل نفسية واجتماعية أيضا، حيث أن الكثير من الأسر فقدت أفرادها أو تعرضت لأعمال عنف مما أثر على نفسية المجتمع بشكل عام.

وكانت تطورات الحرب وما رافقها من جرائم وانتهاكات، خصوصا في الخرطوم ووسط البلاد، وانتماء غالب مقاتلي قوات الدعم السريع إلى كيانات اجتماعية في غرب البلاد، قد دفعت عددا كبيرا من المواطنين لتحميل تلك الكيانات مسؤولية ما جرى. هذا التحميل للمسؤولية زاد من حدة التوترات بين المجتمعات المختلفة.

ومما زاد من التعقيدات مشاركة شباب من قرى في بعض ولايات الوسط، خاصة ولاية سنار، تعود أصولهم إلى إقليم دارفور في القتال إلى جانب قوات الدعم السريع على رغم استقرارهم في الولاية منذ عشرات السنين. هذه الديناميكية المعقدة تعكس كيف أن النزاعات يمكن أن تتجاوز الحدود الجغرافية وتؤثر على المجتمعات المحلية.

وتعالت أصوات من يعبرون عن المتضررين من الحرب في مواقع التواصل الاجتماعي، وتطورت المناكفات إلى خطاب كراهية مما أدى لتفاقم الانقسامات، وتصاعد التوترات الاجتماعية وتهجير سكان في بعض المناطق التي ظلوا يقطنونها منذ سنوات طويلة خوفا من روح الانتقام. هذا النوع من التوترات يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية ويعقد من جهود السلام.

وبعد تحرير ولاية سنار طالبت مجتمعات محلية بعدم السماح لتلك المجموعات بالعودة إلى القرى، بعدما حملوا أبناءهم مسؤولية القتل والانتهاكات ونهب الممتلكات ما أدى إلى توتر الأوضاع والقطيعة بين قرى متجاورة. هذه المطالب تعكس الصعوبة التي يواجهها المجتمع في استعادة الثقة بين أفراده.

وثيقة سنار

ونصت "وثيقة سنار" – اطلعت عليها الجزيرة نت- أن يكون الصلح أبيضا دون المطالبات، بمعنى أن يتم التنازل من كل الأطراف عن ما فقدوه من أموال وممتلكات، وأن يظل الحق الخاص باقياً ويعالج عبر القضاء، وأن يعود النازحون وغير المشاركين في الحرب لقراهم. هذا النص يعكس الرغبة في تحقيق السلام الحقيقي، ولكن يتطلب الأمر إرادة قوية من جميع الأطراف.

كما نصت الوثيقة أن تكون العودة للقرى المتأثرة تدريجيا وبالتناسب مع فترة زمنية ملائمة لظروف المنطقة والواقع ضمانا لإنجاح الصلح والتعايش. كما شددت على ضرورة إعادة إعمار تلك المنطقة والقرى المجاورة. هذا التركيز على إعادة الإعمار يعكس الحاجة إلى تعزيز البنية التحتية والخدمات الأساسية لضمان استدامة السلام.

ودعت إلى فترة زمنية لتهيئة النفوس وتفريغ الشحن الزائد الذي خلفه النزاع، ونشر قيم التسامح، وتنفيذ برنامج لتأهيل الطرق والجسور والمستشفيات في المنطقة لتسهيل التواصل وتشجيع النشاط الاقتصادي. هذه الخطوات تعتبر ضرورية لضمان نجاح جهود السلام.

وقال مستشار رئيس مجلس الوزراء مصلح نصار إن المؤامرة الخارجية التي تستهدف السودان ووحدته واستقراره، باستخدام قوات الدعم السريع، عمدت إلى إضعاف اللحمة الوطنية وضرب النسيج الاجتماعي لتفكيك الدولة. هذه التصريحات تعكس التحديات الخارجية التي تواجه السودان في سعيه لتحقيق السلام والاستقرار.

نشر ثقافة السلام

وحسب حديث نصار، للجزيرة نت، فإن السودان يزخر بالكفاءات والخبرات من رموز مجتمعية وطرق صوفية وإدارات أهلية مما يساعد في رتق النسيج الاجتماعي وتعزيز التعايش السلمي. هذه الموارد البشرية تعتبر أحد الأصول القيمة التي يمكن أن تسهم في جهود السلام.

وستتوسع المصالحات الاجتماعية -يضيف نصار- وستشمل الولايات والمحليات والقرى والبوادي لنشر ثقافة السلام ومعالجة التعقيدات الاجتماعية، وتحقيق السلم المجتمعي حتى يكون التنوع والتعدد في السودان مصدر قوة لا ضعف. هذه الرؤية تعكس الأمل في تحقيق سلام دائم في السودان.

أما الكاتب والمحلل أحمد يوسف التاي المنحدر من ولاية سنار فيرى أن وثيقة الصلح تبدو على درجة من الأهمية، وهي ضرورية لتخفيف حدة المرارات واختراق التراكمات النفسية التي خلفتها الحرب. هذه الرؤية تعكس أهمية الوثيقة كوسيلة للتعافي النفسي والاجتماعي.

وتمثل "وثيقة سنار" على رغم ما شابها من قصور- كما يقول الكاتب للجزيرة نت- أول اختراق للتعقيدات الاجتماعية، وهي بمثابة اللبنة الأولى لرتق النسيج الاجتماعي الذي مزقته الحرب، وهي محاولة جريئة. هذه الوثيقة تعكس الجهود المبذولة من قبل المجتمع المدني والقيادات المحلية لتحقيق السلام.

ويعتقد أن أبرز التحديات التي تواجه تطبيق الوثيقة، أنها جاءت في وقت لا تزال النفوس تنطوي على بعض المرارات، والحرب لا تزال مشتعلة في أجزاء من البلاد. هذه التحديات تتطلب استراتيجيات فعالة لضمان نجاح جهود المصالحة وإعادة البناء.

Get More Updates

To learn more about the latest developments in Regional Politics, stay updated with our exclusive reports and analyses on AiLensNews.

Related News