بعد تعثره.. هل تخرج ألمانيا وفرنسا من مأزق مشروع المقاتلة المشتركة؟

ALN NEWS DESK
ALN NEWS DESK
Updated : Jul 17, 2026, 08:15 PM IST
6 min read
  • linkedin
  • twitter
  • facebook
  • instagram
  • whatsapp

تسعى ألمانيا لبناء أقوى جيش تقليدي في أوروبا، لكن طموحها يثير مخاوف فرنسا ويكشف عن خلافات حول مستقبل الدفاع الأوروبي المشترك.

"يجب أن يصبح الجيش الألماني أقوى جيش تقليدي في أوروبا"، هذا ما قاله المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، أمام البرلمان الألماني في 14 مايو/أيار 2025. هذا التصريح يعكس تحولاً جذرياً في السياسة الدفاعية الألمانية، التي كانت تاريخياً محاطة بالتحفظات بسبب ماضي ألمانيا العسكري في الحربين العالميتين. بعد تسلم المستشار المحافظ ميرتس منصبه في السادس من مايو/أيار 2025، لم ينتظر سوى 8 أيام من أجل إطلاق هذا التصريح اللافت. بعدها بنحو عام، وتحديداً في 22 أبريل/نيسان الماضي، قدم وزير الدفاع بوريس بستوريوس أول إستراتيجية عسكرية ألمانية، حيث وضع هدف ميرتس اللافت في صميمها: "نريد أن نصبح أقوى جيش في أوروبا".

هذا التحول في السياسة العسكرية الألمانية يأتي في وقت حساس، حيث تتزايد التهديدات الأمنية في أوروبا، بما في ذلك التوترات مع روسيا والنزاعات الإقليمية. في هذا السياق، يبرز مشروع "إف سي إيه إس"، الذي يمثل طموحات ألمانيا وفرنسا في تعزيز قدراتهما العسكرية المشتركة.

ما مشروع "إف سي إيه إس" ولماذا فشل؟

الإسم المختصر "إف سي إيه إس" يعني "نظام القتال الجوي المستقبلي"، وكان من المقرر أن يكون أكبر وأغلى مشروع تسلح أوروبي حتى الآن. يهدف المشروع، بحسب تقرير للقناة التلفزيونية الألمانية الأولى "إيه آر دي"، إلى تطوير مقاتلة تحل في موعد أقصاه عام 2040 محل المقاتلة الأوروبية "يوروفايتر"، التي تستخدمها ألمانيا وإسبانيا، وكذلك محل طائرات "رافال" الفرنسية. هذا المشروع كان يُعتبر خطوة هامة نحو تعزيز التعاون العسكري الأوروبي، ويعكس رغبة كل من ألمانيا وفرنسا في تقليل اعتمادهما على الأنظمة العسكرية الأمريكية.

يشمل المشروع أيضاً تطوير أنظمة قتالية غير مسيّرة، إضافة إلى ما يعرف بـ "السحابة القتالية"، وهي نظام اتصالات لربط الطائرات المقاتلة والأنظمة بعضها ببعض. هذا النظام من شأنه أن يعزز من التنسيق بين القوات الجوية للدول المشاركة، مما يزيد من فعالية العمليات العسكرية المشتركة.

ومع ذلك، فقد أُطلق المشروع عام 2017 بمبادرة من الرئيس ماكرون والمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل، وواجه العديد من التحديات. وفق التقرير، فإن فشل المشروع يعود بدرجة أقل لخلافات سياسية وبدرجة أكبر لنزاعات اقتصادية، وبالتحديد بين شريك المشروع الألماني إيرباص ومجموعة داسو الفرنسية. أما جوهر الخلاف فيدور حول السؤال الأهم: من يتولى الدور القيادي في المشروع؟

تعزيز ألمانيا قوتها العسكرية والخلافات حول مقاتلة "إف سي إيه إس" وقرارات قطاع صناعة الأسلحة الألمانية الأخيرة تترك عند الفرنسيين بعض الشكوك والتساؤلات حول سعي ألمانيا، أيهدف إلى تعزيز السيادة الأوروبية المشتركة أم إلى ترسيخ قوة وطنية مستقلة؟

المخاوف الفرنسية

من منظور فرنسي، تبدو الأمور أكثر تعقيداً. ففي مقال بعنوان "شكوك في فرنسا .. هل تصبح ألمانيا عسكرياً أقوى مما ينبغي؟"، تنقل الصحيفة الألمانية الوسطية "أوغسبورغر ألغماينه" عن بول موريس، الأمين العام للجنة دراسات العلاقات الألمانية الفرنسية، قوله إن خطط التسلح الألمانية تُستقبل في فرنسا بمزيج من الارتياح الإستراتيجي والقلق السياسي. مضيفاً بأن باريس تطالب منذ سنوات بتحمل ألمانيا المزيد من المسؤولية العسكرية تجاه أوروبا.

لكن تعزيز ألمانيا قوتها العسكرية والخلافات حول مقاتلة "إف سي إيه إس" وقرارات قطاع صناعة الأسلحة الألمانية الأخيرة تترك عند الفرنسيين بعض الشكوك والتساؤلات حول سعي ألمانيا، "أيهدف إلى تعزيز السيادة الأوروبية المشتركة أم إلى ترسيخ قوة وطنية مستقلة؟". هذه المخاوف تعكس تاريخاً طويلاً من التنافس بين البلدين، حيث كانت فرنسا تخشى دائماً من أن يؤدي تعزيز القوة العسكرية الألمانية إلى زعزعة التوازن في أوروبا.

إنقاذ ما يمكن إنقاذه

بهذا العنوان، تحاول الصحيفة الألمانية ذات التوجه اليساري الليبرالي "زود دويتشه تسايتونغ" تقديم وصف دقيق لاجتماع المجلس الوزاري الألماني ـ الفرنسي اليوم في غرب ألمانيا. وتقول: "عندما ينعقد اليوم الجمعة المجلس الوزاري الألماني ـ الفرنسي، يلتقي شريكان قلقان؛ باريس لا تثق بالقوة العسكرية الألمانية، وبرلين تشعر بالقلق على مستقبل فرنسا السياسي".

وتبرز الصحيفة الرمزية التاريخية للقصر الذي يحتضن هذا اللقاء، بقولها إن لمكان اللقاء أهمية تاريخية؛ "ففي قصر "أوغوستوسبورغ" استقبل المستشار الألماني السابق كونراد أديناور في سبتمبر/أيلول 1962 الرئيس الفرنسي السابق شارل ديغول في أول زيارة دولة لرئيس فرنسي إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية بعد نهاية الحرب. تلك الزيارة جاءت لمصالحة الخصمين".

وماذا عن لقاء اليوم؟

هنا، تقول الصحيفة إن الطرفين يحاولان إنقاذ ما يمكن إنقاذه. فعلى الرغم من فشل مشروع المقاتلة المشتركة، يقول الرئيس الفرنسي إنه نادم أشد الندم على ذلك، وإنه لا يجوز أن يتوقفوا عند هذا الحد. بينما تؤكد حكومة برلين أنه لا شيء سيتغير في العلاقة الألمانية الفرنسية الجيدة، فقرار وقف المشروع كان موضوعياً واتخذ لأسباب منطقية.

وتضيف "زود دويتشه": "على الأقل، من المقرر مواصلة دفع مشاريع تطوير الطائرات المسيرة ومنصة للاتصالات المشتركة إلى الأمام. كما أن الأمور ما تزال مفتوحة بخصوص تطوير نظام قتال بري، أي مشروع الدبابة المشتركة. ففي برلين يقال إن ألمانيا لا تزال متمسكة بهذا المشروع دون تغيير، أما في باريس فيبقى الأمر غامضاً".

مستقبل ماكرون السياسي

وتتساءل الصحيفة عن مستقبل ماكرون السياسي بعد فترتين تشريعيتين، قائلة إن اجتماع ماكرون الحالي سيكون آخر مشاركة له في اجتماعات المجلس الوزاري الألماني ـ الفرنسي. ففي الربيع المقبل، سيغادر منصبه، ولهذا، يحاول دفع أكبر عدد ممكن من المشاريع إلى الأمام. هذا الأمر يعكس الضغوط التي يواجهها الرئيس الفرنسي، حيث يسعى إلى ترك إرث قوي قبل مغادرته.

وتضيف بأن ما يشغل ماكرون الآن هو احتمال أن يخلفه في قصر الإليزيه ممثل عن التجمع الوطني اليميني المتطرف. وفي الوقت نفسه، تنظر باريس بقلق إلى تعاظم قوة الحزب الألماني اليميني المتطرف البديل، وتتساءل عما سيحدث للمحور الألماني الفرنسي الذي مثل لعقود نواة أوروبا المستقرة؟

في الختام، تعكس هذه التطورات التحديات الكبيرة التي تواجهها ألمانيا وفرنسا في سعيهما لتعزيز التعاون العسكري، في ظل تزايد الضغوط الداخلية والخارجية. فبينما تسعى كل من الدولتين إلى تحسين قدراتهما الدفاعية، يبقى السؤال مفتوحاً حول كيفية تحقيق ذلك دون التأثير على التوازنات السياسية في أوروبا.

إن مشروع "إف سي إيه إس" يمثل تجسيداً للتعاون العسكري الأوروبي، ولكن الفشل في تحقيقه يثير تساؤلات حول مستقبل هذا التعاون. هل ستتمكن ألمانيا وفرنسا من تجاوز الخلافات الاقتصادية والسياسية لتعزيز قدراتهما العسكرية المشتركة، أم أن التوترات التاريخية ستظل تعيق أي تقدم في هذا المجال؟

تجدر الإشارة إلى أن هذه الديناميكيات لا تؤثر فقط على العلاقات الثنائية بين ألمانيا وفرنسا، بل تمتد آثارها لتشمل الاتحاد الأوروبي بأسره. ففي وقت تتزايد فيه التهديدات الأمنية العالمية، يصبح من الضروري أن تتعاون الدول الأوروبية بشكل أكبر لتعزيز أمنها واستقرارها. ومع ذلك، فإن الخلافات الداخلية قد تعرقل هذه الجهود، مما يستدعي الحاجة إلى حوار مستمر وتفاهم متبادل بين الدول الأعضاء.

علاوة على ذلك، فإن أي تحولات في السياسة الدفاعية لألمانيا قد تؤثر على التوازن العسكري في أوروبا. في ظل التهديدات المتزايدة من روسيا، قد تسعى دول أخرى في الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز قدراتها العسكرية، مما قد يؤدي إلى سباق تسلح جديد في المنطقة. لذا، من المهم أن يتم التعامل مع هذه القضايا بحذر، لضمان الحفاظ على الاستقرار في أوروبا.

في النهاية، يبقى الأمل معلقاً على قدرة ألمانيا وفرنسا على تجاوز هذه العقبات، والعمل معاً نحو تحقيق أهدافهما الدفاعية المشتركة، مما قد يؤدي إلى تعزيز الأمن الأوروبي بشكل عام. إن التعاون العسكري بين هذين البلدين يمثل خطوة حاسمة نحو بناء مستقبل أكثر استقراراً وأماناً في أوروبا، ولكن يتطلب ذلك التزاماً حقيقياً من كلا الجانبين للتغلب على التحديات الحالية والمستقبلية.

Get More Updates

To learn more about the latest developments in Political Controversies, stay updated with our exclusive reports and analyses on AiLensNews.

Related News