حذف أصفار من الجنيه السوداني: خطوة نحو استعادة الثقة في العملة

ALN NEWS DESK
ALN NEWS DESK
Updated : Jul 22, 2026, 08:38 AM IST
7 min read
  • linkedin
  • twitter
  • facebook
  • instagram
  • whatsapp

تتزايد المطالب بحذف 3 أصفار من الجنيه السوداني في ظل تراجع قيمته. هل سيعيد ذلك الثقة في العملة؟

الخرطوم – يتصاعد جدل بشأن حذف أصفار من الجنيه السوداني، بعد أن فقد أكثر من 80% من قيمته الشرائية منذ اندلاع الحرب في البلاد، وسحب البنك المركزي 6 فئات نقدية من التداول مؤخرا. هذه الخطوة تأتي في ظل أزمة اقتصادية خانقة تعاني منها البلاد، حيث يعيش المواطنون تحت ضغط التضخم المتزايد وانخفاض قيمة العملة. تعتبر هذه الإجراءات جزءًا من محاولة الحكومة السودانية لاستعادة الثقة في العملة الوطنية، التي تضررت بشكل كبير نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها البلاد.

أعادت الحكومة السودانية في عام 2007 التعامل بالجنيه مجددا بعد غياب لأكثر من 15 عاما تم خلالها تداول الدينار، الذي اختارته وفق ما أُطلق عليها سياسة التأصيل الاقتصادي. هذه السياسة كانت جزءًا من اتفاق السلام بين شطري البلاد، الذي أنهى الحرب الأهلية التي استمرت لأكثر من 20 عامًا. الجنيه الجديد، الذي يساوي الواحد منه مئة دينار، تم تقديمه كإجراء لتحسين الوضع الاقتصادي بعد سنوات من عدم الاستقرار. لكن السنوات التي تلت ذلك شهدت تقلبات اقتصادية كبيرة، مما أضعف من مكانة الجنيه السوداني في الأسواق العالمية والمحلية.

في هذا السياق، سحب بنك السودان المركزي أوائل يوليو/تموز الجاري 6 فئات نقدية من التداول، في إطار إعادة تنظيم التركيبة الفئوية للعملة بما يتماشى مع التطورات الاقتصادية. حدد البنك مهلة 3 أشهر لاستبدالها عبر المصارف التجارية، مما يتيح للمواطنين فرصة لتبديل العملات القديمة بالجديدة. يشمل القرار الفئات النقدية من الجنيه الواحد، والجنيهين، و5 جنيهات، و10 جنيهات، و20 جنيها، و50 جنيها، على أن تستمر صلاحيتها للتداول حتى انتهاء مهلة الاستبدال في 30 يوليو/تموز الجاري. هذه الخطوة تهدف إلى تخفيف العبء على التعاملات اليومية للمواطنين، الذين أصبحوا يعانون من صعوبة في التعامل مع الفئات النقدية المتعددة.

ضغوط اقتصادية

تأتي المطالب بحذف 3 أصفار من الجنيه السوداني في ظل استمرار الضغوط التي يواجهها اقتصاد البلاد منذ اندلاع الحرب في منتصف أبريل/نيسان 2023. الحرب أدت إلى تراجع حاد في قيمة الجنيه، حيث بلغ متوسط سعر صرف الدولار 5500 جنيه للدولار في السوق الموازية، مقارنة بأقل من 600 جنيه قبل اندلاع الحرب. هذا الانخفاض الحاد في قيمة العملة أثر بشكل مباشر على حياة المواطنين، حيث ارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل كبير، مما زاد من معاناة الأسر السودانية. في ظل هذه الظروف، أصبح العديد من المواطنين غير قادرين على تلبية احتياجاتهم الأساسية، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

عمليا، بدأ التجار والمتعاملون في البيع والشراء بالأسواق بحذف 3 أصفار من الجنيه، حيث باتوا يطلقون على المليون جنيه "ألف جنيه"، وعلى المليار "مليون جنيه". هذه الممارسات تعكس مدى التدهور الذي وصل إليه الاقتصاد السوداني، حيث أصبح من الضروري إعادة تقييم القيم النقدية لتسهيل المعاملات اليومية. ومع تزايد الاعتماد على التطبيقات المصرفية، أصبح من الواضح أن هناك حاجة ملحة لتحسين النظام المالي والبنية التحتية المصرفية في البلاد.

كما قل التعامل بالعملة الورقية لصالح التطبيقات المصرفية، التي باتت تستخدم لسداد قيمة كوب الشاي لدى البائعات في الطرق، وتذاكر الحافلات، وفي المخابز والمتاجر، إضافة إلى كافة الرسوم الحكومية. هذا التحول نحو الرقمنة قد يكون له تأثيرات إيجابية على الاقتصاد، حيث يمكن أن يسهم في تقليل تكاليف الطباعة والنقل، ولكن يجب أن يرافقه تحسين في البنية التحتية المالية. إن تعزيز استخدام التكنولوجيا المالية يمكن أن يساعد في تحسين الشفافية وتقليل الفساد، مما يسهم في استعادة الثقة في النظام المالي.

يرى الباحث الاقتصادي محمد حسان أن حذف الأصفار لا يعالج الأسباب الهيكلية للتضخم مثل العجز المالي أو ضعف الإنتاج، لكنه له أثر نفسي في تقليص الشعور بانهيار العملة، مما يعيد بعض الثقة في الجنيه السوداني. أضاف أن هذا الإجراء سيتحول إلى إجراء شكلي ما لم ترافقه إصلاحات هيكلية في الميزانية والإنتاج والثقة العامة بالنظام المالي. إن معالجة القضايا الأساسية في الاقتصاد السوداني تتطلب جهودًا متكاملة تشمل تحسين الإنتاجية وتعزيز الاستثمارات.

إيجابيات حذف أصفار من الجنيه

وفي حديث للجزيرة نت، أوضح حسان أن أبرز إيجابيات حذف أصفار من الجنيه هي تسهيل العمليات المصرفية اليومية وتحسين كفاءة إدارة السيولة في المؤسسات المالية واحتواء التضخم النقدي الناتج عن تضخم الكتلة النقدية. هذه الخطوة قد تساعد على تحسين أداء الاقتصاد بشكل عام، ولكنها تتطلب أيضًا توافر بيئة اقتصادية مستقرة. في حالة نجاح هذه الخطوة، يمكن أن تؤدي إلى تحسين مستوى المعيشة للمواطنين وتعزيز الثقة في العملة الوطنية.

حذف الأصفار من العملة ليس أمرا جديدا، كما يقول الباحث الاقتصادي، بل هو إجراء لجأت إليه العديد من الدول التي مرت بظروف تضخمية مشابهة، لمعالجة التضخم وإعادة هيكلة النظام النقدي. دول مثل تركيا والبرازيل والأرجنتين وروسيا، وكذلك ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، اتخذت خطوات مشابهة في فترات مختلفة من تاريخها. هذه التجارب الدولية يمكن أن توفر دروسًا قيمة للسودان في كيفية التعامل مع الأزمات النقدية.

في المقابل، يقول وزير المالية والاقتصاد السابق علي محمود إن حذف الأصفار من العملة ليس علاجا اقتصاديا، بل هروب من مواجهة المشكلة بدلاً من البحث عن علاج لها بصورة علمية دقيقة. وحسب الوزير السابق، فإن هذا الإجراء يعتبر "نوعا من الغش للمواطن"، ولا يحل مشكلة التضخم وتدهور سعر صرف الجنيه مقابل العملات الأجنبية. حذر من الحلول الجزئية لأنها تقود مباشرة إلى إعادة إنتاج المشكلة في وقت قريب جدا. إن التحديات الاقتصادية التي تواجه السودان تتطلب حلولًا شاملة ومستدامة، وليس مجرد إجراءات سطحية.

يقترح علي محمود تشخيص المشكلة بطريقة علمية، والأخذ في الاعتبار الظروف التي تمر بها البلاد من حرب عدوانية، ثم تصميم برنامج قصير المدى لإعادة التوازن في الاقتصاد، وإقرار برنامج آخر لكي تتوسع وتستقر الإنجازات المحققة. أوضح أنه في مثل هذه الظروف، هناك تدابير معروفة للإصلاح الاقتصادي يجب تبنيها، مثل تحسين الإنتاجية وزيادة الاستثمارات. إن تعزيز الشفافية والمساءلة في إدارة المالية العامة سيكون له تأثير إيجابي على استقرار الاقتصاد.

ضرورة السرية

من جانبه، طالب الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي محمد الناير بحذف 3 أصفار من العملة الوطنية. ورأى أن ذلك لا يحسن القوة الشرائية للجنيه ولكنه سيعالج جوانب أخرى، حتى يعاد العمل بفئة الجنيه، بعد تلاشي الفئات الأخرى. حيث لا يعقل، وفق رأيه، أن يكون الحد الأدنى للفئة هو 500 جنيه، بعد سحب 6 فئات من البنك المركزي مؤخرا. إن إعادة هيكلة العملة تتطلب تخطيطًا دقيقًا لضمان عدم حدوث اضطرابات في السوق.

يقول الناير إن بنك السودان المركزي ينبغي أن يكون مستعدا لتنفيذ عملية شاملة لتبديل العملة بصورة كاملة وحذف 3 أصفار منها. كما أن التعامل بالتطبيقات المصرفية بنسبة تراوح بين 60% و70% من المعاملات، وفق قوله، سيقلل من الكلفة المالية لطباعة عملة جديدة. شدد على ضرورة السرية قبل طرحها، لضمان عدم حدوث أي اضطرابات في السوق. إن التحضير الجيد لهذه الخطوة يمكن أن يساعد في تجنب الأزمات المالية المحتملة.

ويرى الناير أن من ضرورات طرح عملة جديدة وجود مخاطر تضر بالاقتصاد السوداني حاليا، حيث طبعت قوات الدعم السريع عملة مزورة ووزعتها في مناطق سيطرتها. أوضح أنه يمكن أن تتسرب هذه العملة للولايات الآمنة أو أن يتم شراء عملات أجنبية بها، مما يخرب الاقتصاد ويساهم في تدهور سعر صرف الجنيه. إن التصدي لهذه التحديات يتطلب تنسيقًا بين الجهات الحكومية المختلفة وتعزيز الأمن المالي.

تجنب مسؤولون في بنك السودان التعليق على وجود اتجاه لحذف أصفار من العملة الوطنية. قالت مصادر في البنك إن الخطوة قد تكون في طور التفكير، لكن تبنيها وتنفيذها يتطلب دراسة فنية دقيقة وترتيبات إدارية بجانب توفير الكلفة المالية لطباعة العملة، التي تتراوح بين 400 مليون و500 مليون دولار، وتكتمل بعد نحو عام. كما أنها تحتاج لقرار سياسي ليس فنيا فحسب، مما يشير إلى أن أي خطوة في هذا الاتجاه ستحتاج إلى توافق سياسي واسع من جميع الأطراف المعنية. إن ضمان الدعم السياسي والمجتمعي لهذه الخطوة سيكون أمرًا حاسمًا لنجاحها.

في الختام، يبقى حذف الأصفار من الجنيه السوداني موضوعًا مثيرًا للجدل، حيث يتباين الرأي حول فعاليته كحل للأزمات الاقتصادية التي تواجه البلاد. بينما يرى البعض أنه قد يكون خطوة نحو استعادة الثقة في العملة، يحذر آخرون من أن هذا الإجراء قد يكون مجرد مسكن لأعراض أزمة أعمق تتطلب إصلاحات هيكلية شاملة. في ظل الوضع الحالي، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة للمواطنين السودانيين. إن معالجة هذه القضايا تتطلب جهودًا متكاملة من الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص لضمان مستقبل اقتصادي أفضل للسودان.

Get More Updates

To learn more about the latest developments in Inflation & Prices, stay updated with our exclusive reports and analyses on AiLensNews.

Related News